بين الحقيقة والحصار
حرية الصحافة في مواجهة القمع السياسي والانتهاكات الرقمية في مصر 2026
_ في يوم 3 مايو/ أيار ..
يثمّن مركز الشهاب لحقوق الإنسان الجهود المبذولة من منظمات حقوق الإنسان الدولية والمحلية لمناهضة مظاهر العنف ضد الصحافة والصحفيين، مؤكدًا على أن الصحافة ليست مجرد مهنة، بل رسالة وركيزة أساسية في منظومة الوعي والشفافية والمساءلة، والقوة الميدانية التي ترصد القصور والمميزات داخل مؤسسات الدولة والمجتمع.
_ كما يثمّن المعاني الى أوردتها الأمم المتحدة بمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة لعام 2026، ومنها: أن العمل الصحفي يواجه تحديات غير مسبوقة عالميًا، حيث أصبحت الصحافة مهنة محفوفة بالمخاطر في ظل تصاعد استهداف الصحفيين في مناطق النزاع المسلح بالقتل والاعتقال والمطاردة، والانتهاكات التي تهدد حق المجتمعات في المعرفة. كما تتزايد الضغوط على حرية الإعلام نتيجة تدخلات سياسية واقتصادية، إلى جانب التأثير المتنامي للتكنولوجيا التي تُستخدم أحيانًا في التضليل أو تقييد حرية التعبير. ويبرز كذلك تصاعد العنف الرقمي، خاصة ضد الصحفيات، من خلال التهديدات والتشهير وانتهاك الخصوصية، واستخدام تقنيات مثل التزييف العميق، بما يدفع الصحفيات لممارسة الرقابة الذاتية على منصات التواصل الاجتماعي، لتجنب الإساءة والعنف الإلكتروني. وهو ما يقوض بيئة العمل الإعلامي.
_ وفي هذا السياق، تتقاطع حرية الصحافة مع قضايا الحقوق الرقمية، التي تشمل حماية البيانات وحرية الوصول إلى المعلومات وضمان فضاء إلكتروني آمن، بما يستدعي تعزيز الحماية والمساءلة ودعم بيئة إعلامية حرة ومستقلة، باعتبارها ركيزة أساسية للشفافية والديمقراطية.
_ ولن يفوت مركز الشهاب لحقوق الانسان هذه المناسبة دون تسليط الضوء على الواقع المصري، التي يعاني فيه الصحفيون/ات من توابع العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران، والاعتداءات الإيرانية على دول الخليج العربي والأردن، خاصة على المستوى الاقتصادي. مع تصاعد مطالب نقابية مهمة ومقدرة، بزيادة بدل التكنولوجيا أسوة بحزمة الزيادات الاجتماعية المرتبطة بظروف الحرب، دون مجيب بعد، بينما ينتظر الوسط الصحفي استمرار الإفراج عن الصحفيين/ات المحبوسين.
_ وبالنسبة لسجناء الرأى، فقد رصد مركز الشهاب لحقوق الإنسان استمرار الانتهاكات بحق الصحفيين، والتي تعكس وضع حرية الصحافة في مصر حتى نوفمبر 2025، وهي تتوافق مع احتلال مصر المركز 169 من بين 180 دولة في تقرير حرية الصحافة لعام 2026 الذي تعده منظمة "مراسلون بلا حدود"..
كما جاءت مصر في المرتبة السادسة عالميًا من حيث عدد الصحفيين السجناء.
وتشير بيانات مراسلون بلا حدود إلى أن حوالي 20 صحفيًا كانوا قيد الاحتجاز في أواخر 2024، بينما أفادت نقابة الصحفيين المصرية في مايو 2025 باحتجاز 22 صحفيًا. معظم هؤلاء دخلوا في الحبس الاحتياطي المُمتّد، وغالبيتهم تجاوزوا الحدّ القانوني للإيقاف الاحتياطي البالغ سنتين.
_ وطالبت لجنة الحريات بنقابة الصحفيين بالإفراج عن جميع الزملاء المحبوسين، عبر طلبات تقدم بها نقيب الصحفيين خالد البلشي، لرئيس الجمهورية، والنائب العام، والمجلس القومي لحقوق الإنسان، ووزير المجالس النيابية والتواصل السياسي.
_ ورغم الحرب الإقليمية وما تتطلبه من قوة الجبهة الداخلية يجري استمرار توقيف 40 صحفي وصحفية -بينهم 8 نقابيين- رهن تحقيق معيب وأحكام مسيسة وقرارات خارج إطار القانون. مع تخطى الكاتب الصحفي والبرلماني السابق محسن راضي المسجون بعدة أحكام، والصحفي المستقل المحبوس احتياطيا عبد الله شوشة، حاجز 12 سنة متصلة خلق القضبان، نظرا للقبض عليهما في سبتمبر 2013.
وفي هذا الإطار يتضامن مركز الشهاب لحقوق الإنسان، مع مطالبات المرصد العربي لحرية الإعلام، بغلق ملف المحبوسين احتياطيا من الإعلاميين والصحفيين، وغيرهم من سجناء الرأي والقضايا السياسية، وتوفير أجر عادل لكل الصحفيين، وفتح صفحة بيضاء جديدة، تنسجم مع واجب الوقت المصري.
وعمّا جرى رصده بشأن بيانات الشهر المنصرم: وصل إجمالي الانتهاكات إلى 28 انتهاكاً، تصدرها انتهاكات السجون ومقار الاحتجاز بعدد 10 انتهاكات، ثم انتهاك الحبس والتجديد في المحاكم والنيابات بعدد 6 انتهاكات، ثم قيود على النشر بعدد 5 انتهاكات، يليهم قرارات إدارية تعسفية بعدد 4 انتهاكات، فيما عاد الحجب بانتهاكين، واستمرت الانتهاكات بحق أسر الصحفيين بانتهاك وحيد:
أولاً: الحبس والتجديد في المحاكم والنيابات:
1/ قررت محكمة جنايات القاهرة، المنعقدة في سجن بدر في 2 مارس حبس الصحفية صفاء الكوربيجي على ذمة القضية رقم 7256 لسنة 2025 أمن دولة عليا 45 يوماً على ذمة التحقيق.
2/ قررت محكمة جنايات القاهرة المنعقدة في سجن بدر، في 25 مارس 2026، تأجيل ثالث جلسات محاكمة المصور الصحفي حمدي الزعيم، إلى 21 يونيو المقبل؛ لاستكمال سماع شهود الإثبات.
3/ قررت محكمة جنايات القاهرة المنعقدة في سجن بدر، في 3 مارس 2026، تجديد حبس الكاتب الصحفي سيد صابر، لمدة 45 يوما.
4/ قررت محكمة جنايات القاهرة، المنعقدة في سجن بدر، في 16 مارس 2026، تأجيل محاكمة الصحفي مدحت رمضان.
ثانياً: انتهاكات السجون ومقار الاحتجاز: (10 انتهاكات)
تواصل السلطات الانتهاكات الممنهجة ضد بعض الصحفيين/ات دون استجابة للشكاوى المتكررة، ووفق ما أمكن رصده:
-حيث يعاني الصحفي والإعلامي أحمد سبيع، المحبوس بسجن بدر (3)، من أزمة صحية مستمرة في القلب، بجانب معاناته من مشاكل كبيرة في الفك، وتآكل في الركبة، ووجود ورم وكيس زلالي خلف الركبة يمنعه من الحركة.
-كما يعاني الصحفي أحمد أبو زيد الطنوبي من ظروف صحية معقدة مع مرض السكري، وانزلاق غضروفي في الفقرات القطنية، وحاجته إلى عناية فائقة في عينه.
-ويعاني الكاتب الصحفي سيد صابر، من أمراض القلب، والصحفي "ياسر أبو العلا" والصحفي حسين كريم من الحبس الانفرادي والمنع من التريض والزيارات.
-ويعاني الصحفي حمدي مختار "الزعيم"، من ضغوط نفسية صعبة، ومرض السكر، والانزلاق الغضروفي، وضعف بالنظر.
-و تشكو الإعلامية والصحفية صفاء الكوربيجي من معاناتها من التهابات بالأذن الوسطى، خاصة أنها من ذوي الإعاقة الجسدية منذ صغرها، كما تعاني من آلام حادة أسفل الظهر والقدم.
-ويعاني الباحث والصحفي الاستقصائي إسماعيل الاسكندراني من حالة صحية حرجة، وضيق بالتنفس ولا يستطيع النوم إلا بجهاز تنفس" منذ سنوات حبسه الأولى.
-وتتواصل معاناة الصحفي الكبير توفيق غانم (70 سنة) مع إصابته بورم في الكلى، وتضخم في البروستاتا، ومرض السكري، ومشاكل صحية في العظام والأعصاب.
ويعاني الصحفي محمود سعد دياب، من مرض السكري، وتفشي مرض جلدي نتيجة تلقيه علاجًا خاطئًا داخل السجن.
ثالثاً: انتهاكات بحق أسر الصحفيين: انتهاك واحد
يستمر التنكيل بحق أسرة الصحفي المحبوس ياسر أبو العلا، مع اعتقال زوجته نجلاء فتحي شامل، وشقيقتها أسماء فتحي شامل دون مبرر قانوني، في 28 أبريل 2024، قبل عرضهن على نيابة أمن الدولة في 11 مايو 2024، لمجرد استغاثتهن بجهات إنفاذ القانون لتحديد مكان الصحفي عقب القبض عليه، في 10 مارس 2024، واختفائه قسرياً، طوال 50 يوماً.
رابعاً: قيود على النشر والتغطية: (5 انتهاكات)
لازالت القيود على النشر مستمرة في مصر ومنها:
1/تعرض الصحفي رامي بركات، لانتهاك منع من التغطية واستيقافه لفترة مؤقتة أثناء تغطية حادث تصادم أتوبيس ركاب بعقار سكني بمنطقة بشتيل التابعة لمركز أوسيم بمحافظة الجيزة.
2/تعرض عدد من الصحفيين في صحف ومواقع إخبارية إلى انتهاك المنع من التغطية خلال ختام تصوير مسلسل «علي كلاي».
3/تعرض الصحفي عصام أبو زيد من الاستبعاد من حضور اجتماع عقدته الدكتورة جاكلين عازر، محافظة البحيرة، مع صحفيي المحافظة في 11 مارس 2026.
4/تعرضت رندا فتحي، الصحفية بمجلة «أكتوبر»، من استبعاد من حضور اجتماع عقدته وزيرة التنمية المحلية والبيئة الدكتورة منال عوض مع عدد محدود من الصحفيين المختصين بتغطية أخبار الوزارة.
5/تواصلت شكاوى الصحفيين والصحفيات في الشهر المنصرم، من سياسة موقع التواصل الاجتماعي فيس بوك ضد الصحفيين /ات في مصر، بسبب آرائهم المناهضة للاحتلال الإسرائيلي والداعمة للمحتوى الفلسطيني واللبناني.
خامساً - قرارات إدارية تعسفية (4 انتهاكات)
تم خلال الشهر رصد استمرار القرارات التعسفية بحق عدد من الصحفيين/ات والاعلاميين/ات منها ما يلي:
1/ توقف صرف رواتب الصحفيين/ات والعاملين/ات بصحيفة الفجر.
2/ واصلت إدارة جريدة البوابة نيوز، انتهاك الامتناع عن صرف رواتب 38 من الصحفيين/ات للشهر الخامس على التوالي.
3/ تواصلت أزمة الصحفيين المؤقتين في الصحف القومية، الذين يطالبون بحقهم في التعيين بعد سنوات عديدة من العمل بعقود مؤقتة.
4/ يواجه العاملون والعاملات بمبنى الإذاعة والتلفزيون (ماسبيرو)، والمحالين إلى المعاش، أوضاعًا مالية وإنسانية بالغة القسوة نتيجة تأخر صرف مستحقاتهم القانونية، وفي مقدمتها مكافأة نهاية الخدمة، ومقابل رصيد الإجازات، وفروق مالية مرتبطة بالعلاوات والحوافز المقررة.
سادساً: الحجب (انتهاكان)
شهد الشهر المنصرم، عودة لقرارات الحجب التعسفية.
1/ قرر المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام برئاسة المهندس خالد عبد العزيز، حجب الموقع الإلكتروني «العاصمة ٢٤» لممارسته للنشاط دون الحصول على ترخيص وذلك بالمخالفة للمادتين (٥٩،٦) من القانون ۱۸۰ لسنة ۲۰۱۸.
2/ كما قرر المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام حجب الحسابين الإلكترونيين «حدیث مصر» و«العاصمة ٢٤» على مواقع التواصل الاجتماعي لبثهما أخباراً وصفها المجلس بالكاذبة، دون أن يوضح تفاصيل.
الخاتمة والتوصيات
إن الواقع الذي تعكسه هذه المعطيات يؤكد أن حرية الصحافة في حاجة ملحّة إلى حماية حقيقية، ليس فقط عبر النصوص القانونية، بل من خلال ممارسات فعلية تضمن استقلال الإعلام وأمان العاملين فيه، فاستمرار الانتهاكات، سواء في المجال الميداني أو الرقمي، يهدد حق المجتمع في المعرفة ويقوض أسس الشفافية والمساءلة. كما أن استمرار تراجع ترتيب مصر في مؤشر حرية الصحافة إلى المركز 169 من أصل 180 دولة، ضمن أسوأ 11 مركزاً صحفيًا على مستوى العالم، يعكس واقعًا لا يمكن تجاهله أبداً أو التقليل من دلالاته وأثاره وسياقاته..
ويوصي مركز الشهاب بـ:
- الإفراج الفوري عن جميع الصحفيين المحبوسين احتياطيًا وسجناء الرأي.
- وقف استخدام الحبس الاحتياطي كأداة عقابية.
- رفع القيود المفروضة على حرية النشر والتعبير.
- حماية الصحفيين من كافة أشكال العنف بما في ذلك العنف الرقمي.
- تحسين الأوضاع الاقتصادية والمهنية للصحفيين.
- فتح حوار جاد لإعادة بناء بيئة إعلامية حرة.
مركز الشهاب لحقوق الإنسان بلندن – 3 مايو 2026